كل ما هو أعجمي .. لك بالعربي

ضياع الهوية المعمارية – اللاذقية

0 371

التلوث البصري هو مصطلح يطلق على أي مشهد غير جذاب للعين، لعل هذا ما نشعر به عندما نسير في شوارع مدننا. إن الذي يميز باريس عن نيويورك هو مجموعة عوامل تخطيطية وعمرانية وتكوينية. حيث تترك هذه العوامل انطباعاً عند زائر كل من المدينتين السابقتين، الشوارع والأبنية والعناصر التزيينية من تماثيل وأعمال فنية قديمة ومعاصرة ونصب تذكارية تدل على وقائع تاريخية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ المدينة، الحدائق والمساحات الخضراء والساحات، الآثار والمعالم القديمة، كلها سويةً تخلق شخصية للمدينة، هوية لها.

قد يرتبط مفهوم هوية المدينة فقط بالآثار، لكن كما رأينا في مقالات سابقة، فإن الهوية ليست فقط في النسيج العمراني القديم، أي الأحياء القديمة التي غالباً ما تكون خلف الأسوار الأثرية، لكن الهوية أيضاً في النسيج العمراني الحديث، في الشوارع ونمطها، في الساحات، في واجهات المباني الجديدة وفي المباني العلّامة.

هذه المرة ستكون رحلتنا إلى مدينة اللاذقية.

تاريخياً:

اللاذقية، والاسم الأصلي في اليونانية Λαοδικεία (لاوذيكيا)، بناها سلوقس المنتصر في القرن الثالث قبل الميلاد في موقع قرية كنعانية (فينيقية) اسمها راميتا، وكان الموقع يسمى الرأس الأبيض، لكثرة الصخور الكلسية البيضاء كما هو الواقع في شواطئ المدينة. جعلت المدينة على نمط هيبودامي (شطرنجي) حيث تتقاطع الشوارع عمودياً فيما بينها مشكلة رقع الشكل مستطيلة تسمى كل رقعة (جزيرة) تخصص لوظيفة عمرانية معينة، فمثلاً هذه الرقعة تكون مخصصة للأبنية السكنية، وتلك الرقعة للأبنية الإدارية وهذه ساحة (Agora في العمارة اليونانية أو Forum في العمارة الرومانية). وفي الفترة الرومانية جعلت في المدينة بعض التعديلات فكانت المفضلة لدى القيصر سيبتيموس سيفيروس فبنى فيها قوس النصر الشهير تكريماً لوقفة المدينة ضد خصمه، وسميت المدينة لفترة (جوليا) نسبة لزوجة القيصر السورية (جوليا دومنا).

اقرأ أيضاً على أعجمي : تأسيس مدينة بوينس آيرس

كان للموقع تأثير كبير على مخطط المدينة (اتجاه الشوارع والأبنية) فالشوارع الطولية كانت باتجاه شمال – جنوب، أي بالاتجاه الموازي لشاطئ البحر، والشوارع العرضية باتجاه شرق – غرب، متقاطعة مع الشوارع الطولية بزاوية 90 درجة. مازلنا اليوم نرى ذلك في القسم القديم من اللاذقية، حيث يدعى (حي الصليبة) نظراً لتصالب الشوارع مع بعضها البعض.

خريطة قديمة لمدينة اللاذقية
خريطة قديمة لمدينة اللاذقية

البوابة الشمالية لمدينة اللاذقية كانت تسمى بوابة أنطاكية، وهي تقع في نهاية الشارع الرئيسي الطولي (Cardus Maximus) ويحمل الكاردوس حتى يومنا هذا اسم (شارع أنطاكية). ويعتقد أن موقع البوابة الشمالية كان في ساحة مارتقلا لكن لم يبقى لها أثر. أما البوابة الأكثر شهرة فكانت البوابة الشرقية، بوابة أفاميا، وتقع في نهاية الشارع العرضي الرئيسي (Documanus Maximus) الذي كان يدعى شارع أفاميا، يمتد من المرفأ في الغرب حتى البوابة في الشرق، وهو اليوم معروف باسم شارع القدس (المتحف – شارع القدس – ساحة أوغاريت – السوق القديم – دوار اليمن) ويعتقد أن موقع البوابة هو في ساحة اليمن (المعروفة أيضاً باسم ساحة المحطة) لكن لم يبقى أي صورة للبوابة سوى الموجودة على العملة المعدنية البيزنطية.

المنارة والدير البيزنطي (الفاروس من اليونانية /Faros/ Φάρος) كانت أيضاً من المعالم الشهيرة التي لم يعد لها وجود إلا في اسم (حي الفاروس).

صورة قديمة لحي الأميركان يظهر فيها قصر سعادة في الخلفية
صورة قديمة لحي الأميركان يظهر فيها قصر سعادة في الخلفية

التغييرات الاجتماعية – الاقتصادية وتأثيرها على الهوية العمرانية للمدينة:

هناك جملة شعبية تقال في اللاذقية “روح بلـّـط البحر” للدلالة على أمر مستحيل القيام به. لكن في الواقع لقد تمّ “تبليط البحر”.

لطالما اعتمد أهل مدينة اللاذقية على البحر في حياتهم، في الصيد والتجارة، فلمرفأ المدينة دور اقتصادي هام، ومن أهم التغييرات التي طرأت على مدينة اللاذقية هو توسع المرفأ، حيث تم ذلك بردم الشاطئ الغربي وبناء رصيف اصطناعي، الأمر الذي قضى على الواجهة البحرية الغربية للمدينة (الكورنيش الغربي). كان الكورنيش الغربي قبل توسع المرفاً عبارة عن محور ترفيهي للسكان، حيث تنتشر عليه المسابح بكثرة والمطاعم والملاهي والكازينوهات، التي تم إغلاق الكثير منها نتيجة “تبليط البحر”.

المرفأ قديماً
المرفأ قديماً

فكان التوسع المدينة جنوباً (مشروع صليبة) حتى الشاطئ الجنوبي للمدينة، وجعل هناك محور ترفيهي على الواجهة البحرية الجنوبية (الكورنيش الجنوبي) كبديل، واعتمد فيه النمط المعماري العالمي، الأبنية السكنية البرجية المنفصلة.

اختفت المسابح داخل المدينة، فالكورنيش الجنوبي عبارة عن جروف صخرية منحدرة بشدة باتجاه البحر وغير قابلة لتكون مسابح مريحة. في الستينيات كان من الطبيعي أن تشاهد أناساً يمشون على الكورنيش الغربي في لباس السباحة، الأمر الذي لن يعتبر طبيعياً اليوم.

الكورنيش الغربي قديماً
الكورنيش الغربي قديماً
الكورنيش الغربي حديثاً
الكورنيش الغربي حديثاً
الكورنيش الجنوبي
الكورنيش الجنوبي

الهجرة الكثيفة من الريف إلى المدينة استدعت إنشاء أحياء سكنية جديدة سميت (المشاريع) وكان اتجاه التوسع شمالاً وشرقاً، في أراضي الخس. “شو قاعد بالخسة؟” لم تأتي عبثاً، فهي تعني “هل تعيش خارج المدينة ولم تدري بما يجري؟”.

التوسع الشرقي كان باتجاه المدينة الجامعية (جامعة تشرين) وحصل منذ أواخر الستينات، ثم تبعه التوسع الشمالي فانشأت الأحياء على المحور المؤدي إلى المنطقة السياحية شمال المدينة، واليوم دخلت عدة قرى محيطة إلى داخل حدود مدينة اللاذقية نتيجة التوسع كقرية سقوبين (حي سقوبين).

توسع المدينة
توسع المدينة

توسع المدينة الشمالي والشرقي لم يعتمد نمطاً عمرانياً واضح، فهو أقرب إلى العشوائية المنظمة. يلاحظ الزائر اليوم في واجهات المباني المتلاصقة عشوائية وعدم تناسق، قلة المساحات المفتوحة والحدائق والمساحات الخضراء في مدينة هي بأمس الحاجة لذلك، حيث تقلل المساحات الخضراء مستوى الرطوبة بشكل محسوس.

معالم لافتة للنظر:

قوس النصر: سبق وذكرنا أن القيصر سيبتيموس سيفيروس أمر ببناء قوس النصر في نهاية القرن الثاني في اللاذقية هديةً لها لوقوفها إلى جانبه. وهو ذو مسقط مربع الشكل طول ضلعه 12 متر وارتفاعه 16 متر مسقوف بقبة نصف كروية وفي واجهاته أربعة أقواس، ويعتبر من النوع النادر من أقواس النصر في العالم الروماني.

لا قوس النصر

أعمدة باخوس: بالقرب من قوس النصر في الجهة الشمالية الشرقية تنتصب أربعة أعمدة حجرية ضخمة، تحمل تيجان كورنثية النمط، وهي بقايا لزاوية من زوايا معبد الإله الروماني باخوس (Bacchus) إله الكرمة والخمر.

أعمدة باخوس
أعمدة باخوس

عمود السنكليس: في جنوب المدينة بالقرب من الشاطئ كان هناك مزاراً دينياً شهيراً على اسم ناسك من روما سكن في مدينة اللاذقية وكان يدعى إليكسيوس، عندما تم فتح سكة القطار تمت إزالة ما تبقى من المزار، ونقل عمود من عموده إلى إحدى الساحات، ودعي سنكليس كتعريب لـ Saint Alexi في الفرنسية.

السنكليس
السنكليس

كنيسة السيدة وسوق السيدة (السوق المقبي): كنيسة قديمة تعود إلى لقرن الرابع وهي الأقدم في اللاذقية، تقع في داخل متاهة من الأزقة التي تشكل السوق القديم. معظم الأبنية في هذا السوق تعود للفترة العثمانية، وقد تم إدخ